أصوات فلسطينية شابـــــــة

نتالي كسابري

ثقافة الانتماء

18 /03/ 2014

يسقط الكثير منا في فخ الماركات، ويفتخر بعضنا، بل معظمنا، حين يشتري المنتجات الاجنبية او الاسرائيلية، الا أنّ لا مغزا مقنعا لهذا الافتخار، او للنشوة -المؤقتة- التي يشعر بها البعض حين يرددون بأنهم من مرتادي متاجر شارع يافا في مدينة القدس او مركز التسوق "رامي ليفي" او غيرها من محلات التسوق الاسرائيلية أو المحلات صاحبة الأسماء المشهورة او العالمية، و تثيرك حقيقة الاشباع الذي يحققه شراء المنتجات الأجنبية، فقط لأنها أجنبية، لنفسياتهم! لعل ذلك يضمد شعورهم بالنقص والدنيوية، ويخلق بداخلهم شعورا، ولو مزيفا، بأنهم من الأولين أو الرابحين، رغم أن ذلك مجرد تعويض عن النقص الذي يتفشاهم، واذا دل، لا أظنه يدل الا على قلة ثقتهم بأنفسهم.

هذه ليست مزايدة على وطنية اي كان، أو معايرة بالقول بأنه يدعم الجيش الذي يقتل شعبه، ولا اطلاق على احدهم صفة الغباء أو اي صفة أخرى، فهذا الكلام قد سمعتموه حتى حفظتموه عن وجه قلب.

السؤال الأكثر أهمية الذي يجدر بنا طرحه هو "لماذا لا نملك ثقافة الانتماء؟"

منذ سنوات قابلت سيدة أوروبية، لست متأكدة من جنسيتها، الا أنني أذكر بأنها كانت محور لحديث طويل كنت أحد عناصره، والأهم بأنها جذبت اهتمامي، حتى أنني اتذكرها دوما كلما ذهبت للتسوق. هذه السيدة تقيم هنا في فلسطين، منذ أعوام طويلة، بعدما تزوجت رجل فلسطيني، الا أنها ما زالت كلما ذهبت للتسوق، تبحث طويلا قبل أن تختار المنتوجات التي تحتاجها، فهي لا تشتري الا تلك التي من صنع دولتها الام، جميع أنواع المنتوجات حتى أبسطها، كصابون تنظيف الصحون او البلاط، على سبيل المثال.

كل السنوات التي عاشتها هنا لم تؤثر، ولو قليلا، على انتمائها لبلادها. نعم، كانت علامة فارقة بالنسبة لي، فلم أعهد يوما مثل هذا الانتماء عند أي من أفراد قوميتي، يشمل ذلك نفسي.

لا يجدر بأي كان التلميح بأن الجودة بين المنتجات المحلية والعالمية تختلف، فالكثير من المنتجات الفلسطينية ذو جودة عالية تفوق قريناتها الاسرائيلية اوالاجنبية، كالألبان والمنتجات الغذائية، والملابس والأحذية، وغيرها. وحتى ولو تكن بعضها ذا جودة عالية، فهل سيقوى صناعها على تطوير جودتها، ما لم تكن لديهم الإمكانيات المادية والتجارية لذلك، وهل ستصبح لديهم هذه الإمكانيات ما لم ندعم نحن منتجنا الوطني؟ أم أنكم تعتقدون بأن علينا أن ننتظر الغرب ليأتي ويدعم اقتصادنا؟

إن النهوض بالاقتصاد، ودعم المنتج الوطني تعتبر احدى أفضل الطرق لمحاربة الغرب، والتخلص من هيمنة الدول المتقدمة على السياسة وكافة ركائن الحياة.

لتكن التجربة الألمانية خير مثال على ما أقول، كل من يذاكر تاريخ هذه الدولة، يقف إجلالا لهذا الشعب التي استطاع أن يعيد البعث من الرماد، بعدما وصلت بلاده لمراحل ما دون الصفر. هذه الدولة هُزمت في الحرب العالمية الثانية، وتكبدت خسائر ضخمة من كافة الأنواع، الا أنها إستطاعت، وخلال فترة قصيرة، أن تصبح صاحبة أكبر وأقوى إقتصاد فى أوروبا ورابع أكبر اقتصاد على مستوى العالم، حيث يقترب نصيب الفرد من الناتج القومى من 29 ألف يورو سنويا، وقد حققت الصادرات الخارجية لألمانيا رقما قياسيا جديدا العام الماضي،  بعدما تجاوزت الرقم القياسي الذي حققته عام 2011، وزادت بنسبة 3.4 بالمائة في 2012، لتصل إلى 1.097 تريليون يورو.

بالطبع لدينا جميع الموارد والإمكانيات الكافية لصنع جميع المنتوجات حتى أثقلها، لا ينقصنا سوى البعض ممن لديهم النظرة البعيدة الأمد، والعقول اللماحة، التي تستطيع أن تلمح النور من أخر النفق المظلم. ينقصنا بالطبع أيضا الثقة بالنفس والعمل الدءوب المتواصل، بالاضافة الى التحرر من الخرافات التي تصور لنا في كل لحظة باننا لا نستطيع ذلك. يلزمنا شيء أخر تفوق أهميته باقي الأمور الأخرى، تلزمنا ثقافة الإنتماء، التي تجعلنا نبتاع سلعة معينة، ونفضلها على مثيلاتها، فقط لانه مكتوب عليها من الخلف "صنع في فلسطين".

مقالات أخرى

 
comments powered by Disqus